مسؤوليَّةُ الآباء تجاه أولادهم في التربية

أمير الإسلام بن بحر الحق الجاندفوري التعليم والتربية

يتَوَهَّمُ بعض الآباء أنّ مسؤولية تربية الأطفال تقع على الأمِّ فقط، ولا يُطلب منه سوى تأمين الحاجات المادية لأطفاله وزوجته، فتجده يقضي معظم وقته خارج المنزل في العمل أو في الكلام مع الأصدقاء حتى إذا عاد إلى منزله، جلس في غرفته محذِّراً زوجتَه من أن تسمح للأطفال تعكير صفو تأمّلاته أو أحلامه وهو نائم.
وحقيقةُ ديننا الحنيف-دين الإسلام- ليست كذلك؛ نعم هذا صحيحٌ أنَّ الأمّ هي المدرسة الأولى للطفل؛ فهي تُعلِّم أولادها القرآن، وتُعَلِّمهم سنّة النبي صلى الله عليه وسلم، تُعَلّمهم الحلال والحرام، وتقصُّ عليهم سير الأنبياء وأهل الفضل والصلاح؛ إلا أنّ التربية ليست عبارة عن الأمِّ فقط؛ بل هناك دورٌ كبيرٌ للأب أيضًا في تربية الأطفال؛ فالله تعالى كلّف بني آدم حسن رعاية الذُّرِّيَّة، وإصلاح النسل، والسعي لاستنقاذ نفسه مع الأهل والأولاد من النار، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مسؤُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[ متفق عليه: صحيح البخاري(2554) وصحيح مسلم (1829)]. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم في حديثٍ آخر: «وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».[ أخرجه مسلم في صحيحه برقم (1159).].
فتَبيّن من الحديثَيْن السابقين أنَّ الأولاد لهم حقوق وواجبات تقع على أعناق الوالدين؛ فعليهم أن يشعروا بهذه الواجبات تجاه أولادهم ويقوموا بأدائها على وجه أتم.
وقد ذكر العلماء الذين ألّفوا في التربية الإسلامية بعض الأمور التي يجب توافرها في الأب المربّي، وفيما يلي أهمها:
(1) الإخلاص والشعور بأهمية القضية، والاهتمام بها: قال الله عز وجل: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 133]
فانظروا إلى اهتمام نبيّ الله يعقوب عليه الصلاة والسلام بمسؤوليته، والتأكيد عليها حتى وهو قاب قوسين أو أدنى من الموت، فإذا كان حاله هكذا عند الموت، فماذا يُتوقع أن يكون حاله وهو سالم معافى؟ فهذا بلا شك يدفع الآباء المربين لكي يشمروا عن ساعد الجدّ، فلا يهملوا تربية الأبناء، ويتعهّدوهم بالرعاية والاهتمام حتى يكونوا أفرادًا صالحين، ناهضين بالأعباء الملقاة على كواهلهم، ومع الاهتمام بالقضية عليهم أن يصاحبوا الإخلاص الذي هو يشكل حجر الزاوية لأيّ بناء، وهو عماد كل الطاعات، يقول تبارك وتعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}[البينة:5]. فعندما يخلص الآباء المربون في تربية أبنائهم فسوف تكون الثمار طيبة، والنتائج باهرة.
(2) إعطاء القدوة الحسنة للأبناء: هي من أفضل طرق التربية، يقول الشيخ عبد الرحمن النحلاوي:«تعتبر القدوة من أهم وسائل التربية إن لم تكن هي أهمّها على الإطلاق، وذلك لوجود تلك الغريزة الفطرية الملحة في كيان الإنسان التي تدفعه نحو التقليد والمحاكاة، خاصة الأطفال الصغار، فهم أكثر تأثُّراً بالقدوة؛ إذ يعتقد الطفل في سنواته الأولى أنَّ كل ما يفعله الكبار صحيح، وأنَّ آباءهم أكمل الناس وأفضلهم، ولهذا فهم يقلدونهم ويقتدون بهم». [ينظر: بحوث تربية الطفل المسلم (ص: 83) لعدنان باحارث].
ويقول الأستاذ أبو عبد الله ابن العدوي:«إن الولد الذي يرى أباه يقوم من الليل يُصلِّي ويبكي من خشية الله ويتلو القرآن؛ لا بد وأن يفكِّر لماذا يبكي أبي؟ لماذا يصلي أبي؟ لماذا يترك النوم والفراش الدافئ ويذهب إلى الماء البارد يتوضأ به؟ كل هذه تساؤلات تدور في ذهن الابن، ويفكر فيها ويقتبس منها بإذن الله». [ينظر: فقه تربية الأبناء للعدوي، ص:27، طبع دار ابن رجب].
فاتق الله أيها الأب! في أبنائك وبناتك، وكن أسوة حسنة لهم بحسن خلقك، وكريم طبعك وجميل خصالك، واعلم أنه عار عليك أن تنهى أولادك عن خلق سيئ وتفعله أنت، إن الله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3].
(3) أن يكون رحيما رفيقا ليـّنًا في تربيته: على الأب أن يدرك أنّه يربـِّي إنسانًا لا بهيمة؛ فعليه أن يتحلّى بالحلم والرحمة، وأن يكون الرفق واللين ديدنه في تربية ولده، قال تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[الأعراف: 199]. وقال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[آل عمران: 134] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ«. [ أخرجه مسلم في صحيحه برقم:2593].
(4) العدل بين الأولاد: هذا الشرط ينبغي توافره في القائمين على تربية النشء، وقد يراد به كل من يتحمل مثل هذه المسؤولية العظيمة أن يكون لديه نوع من العدل بصفة عامة، وعند التعامل مع الأبناء بصفة خاصة؛ لأنّ ذلك سوف يؤثر عليهم في مستقبل حياتهم تأثيرًا لا يمكن أن ننكره، كما أنّ الشريعة الإسلامية قد جاءت بالأمر بالعدل بين الأولاد والمساواة بينهم في العطية أو الهدية أوالكلمة الرضية أو الضمّة الحانية أو حتى الإشارة الإصبعية؛ وذلك تفاديًا للتحاسد والتناجش والتدابر والحقد بين الأبناء، وقد ينقلب الحقد على الوالدين من جراء الجور في المعاملة أو من أجل عدم الوسطية في التعامل مع الأبناء. وقد كان السلف يعدلون بين أولادهم حتى في القبلة فكيف بما عداها؛ لأن الجور وعدم العدل يورث الضغينة بينهم، يقول النعمان بن بشير رضي الله عنهما: إنّ أمّه بِنْتَ رَوَاحَةَ، سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي، فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بَشِيرُ ‍ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟» قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: «أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ». [أخرجه مسلم في صحيحه، برقم:1623].
(5) ملاطفة الأبناء بالموعظة، واختيار الوقت المناسب لها: تقديم الموعظة للأبناء من أهم وسائل التربية؛ ولكن ينبغي للوالد أن يتخير الوقت المناسب لها، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فكان عليه الصلاة والسلام لا يدع فرصة سانحة مع طفل من الأطفال إلا استغلها في النصيحة والدعوة والإرشاد، قال ابن عباس رضي الله عنهما كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ».[أخرجه الترمذي في”جامعه” (4/ 248 رقم:2516) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]. وهناك حديث آخر أخرجه الشيخان في”صحيحيهما” مِنْ حديث عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».[صحيح البخاري، برقم:5376، وصحيح مسلم برقم:2022].
فعلى الوالد أن يستغل فترة طفولة الولد وصغر سنه، وضعفه وحاجته إليه، وقوة سلطته عليه في توجيهه، فيربيه على المنهج الإسلامي القويم؛ فإن تكوين العادة في الصغر أيسر من تكوينها في الكبر.
(6) الدعاء لهم بالهداية والصلاح: بعد بذل الأسباب الممكنة في تربية الأولاد يجب على الأب الـمُربي أن يلجأ لمسبب الأسباب، ومن بيده هداية العباد. يقول الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[القصص: 56] ويقول: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا}[الكهف: 17].
وإذا أيقنت بأن المهتدي من هداه الله، وأنّ المحفوظ من حفظه الله؛ فعليك إذًا أن تتوجه بالدعاء سائلا الله سبحانه وتعالى أن يصلح لك في ذريتك، وأن يبارك لك فيهم، ويحفظهم من المكروه والسوء، ويعصمهم من شياطين الإنس والجن، وهكذا كان أهل الفضل والصلاح يفعلون ويقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان: 74]. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو لأبنائه ولأبناء المسلمين، فيقول في شأن الحسن بن علي رضي الله عنهما: «اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ».[ متفق عليه].
أسأل الله جل وعلا أن يوفق المسلمين لإدراك المسؤولية تجاه أولادهم في التربية، وأن يقوموا بأدائها على وجه أتم، إنه هو الموفق والمستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

1
Leave a Reply

avatar
3000
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
ارشادالحق روشاد Recent comment authors
  Subscribe  
newest oldest most voted
Notify of
ارشادالحق روشاد
Guest
ارشادالحق روشاد
مقال رائع و مفيد جدا..