نملةٌ ليستْ كالنَّملاتِ

أرسلان السلفي البوفالي الإنتاج الأدبي النثري

قُرع البابُ في ليلٍ مدلهِمٍّ بهيمٍ، يمازجه مطر مدرار وغيث وابل ورعد رهيب، فتحت الباب إذ رأيت غِرًّا يافعًا رثَّ الحالِ ممزَّق الثيابِ، كان أشبه بصديق لي من الأصدقاء في الأزمان الغابرة، كانت أيامي معه تبتسم ووجودي يبتهج ويغتبط، طلبت منه الجلوس معي، وكنت بين مصدِّق أنه هو هو لبسمته الجميلة ومنكرًا لتدهور حاله وتهلهل هيئته، وقد ظل وجهه الوضاح سحابة سوداء لحزنٍ لحقه وهمٍّ أحاط به، و غشيتْ عليَّ بناتُ الليالي، وذهبتُ كلَّ مذهب من الأفكار والوساوس، فما لبثتُ أن تحدثتُ إليه وتأكدتُ أنه صديقٌ لي قديمٌ، كنا قضينا أيامًا حلوة في أرض واحدة تحت سماء واحد، تشاطرنا الحياة حلوها ومرها، أسودها وأبيضها، وقد مرَّتْ على لقاءنا الأعوامُ والسنون ولم يتبادل أي خبر فرحٍ أو همٍّ، وقد شُطب اسمُه من صفحة ذاكرتي وأوراق حياتي، فذكر لي أنه قد أكمل دراسته الأكادمية ونال المراكز الأولى طوال مدة دراسته، ثم تتابعت طلبات التدريس من المعاهد والجامعات، فوافق إحداها بقبول، فبدأ يطير ذكره ويسير أمره ويقبِّل رأس كفاءته سماوات العلم والفضل من الأداني والأقاصي، يُقبل المتعطشون للعلم عليه لكشف معضلاتهم ودفع مشكلاتهم، وينثـرون له أزهار الوداد غيبًا ومشهدًا، ويتهافتون عليه تهافت الجائع على الطعام حبًّا له وتقديرًا لمكانته وإخلاصه، وكان هو يمدُّ إليهم يد العون والمساندة أخًا لهم عطوفًا لمن ساواه في عمره، وأبًا حنونًا لأقلهم سنًا منه، فالجو يبتسم والوجوه تستبشـر، إذ دبّتْ نملة الحسد وألفتْ أفاعي الحقد سبيلها ووضعت ثعابين المكر مكانها فبثت سُمَّها في الأماكن الصافية التي لم يكد أن يصل إليها سمُّها، وفعلت أفاعيلها دون أن يشعر من أمسـى ضحيتها، ولبئس ما فُعل، فأذن له القدر أن يتخلَّى عن الجوِّ المفعِم بالنَّملات التي تدِبُّ دبًا والأفاعي التي تسم سمًا، نفوس قاطنيه أضيق من ثقب الإبرة …..
ثم سارت سفينة الحياة إلى جزيرة أخرى، عاشها أياما، ثم بدأت الحياة تكابد المشاق وتعاني الهموم، يعجز اللسان عن وصفها، ….. ثم آن أن أكرمه الله بحياة آمنة مطمئنة أعادته إليه أفراحه وملأت دنياه بهجة وسرورًا … نبش عليَّ ذكرياته هذه المبكية، رأيته تسيل المدامع عن مقلتيه سيلا، ثم أضاف بأن هذه الأشجان علَّمـتْني وأحكمتني وجعلتني صلبًا كالصخرة الصلبة، لا تقبل أي أثر من آثار، حتى لا تحتمل على ظهرها لا طينا ولا ماءً، رأيت الأصدقاء ينتاطون عني ويتنكبون عن ظلالي وينفرون من لقائي، الذين كانوا يرقصون على أناملي، ويواصلون ليلهم بنهارهم بإيعاز مني، تغيـروا بكل معاني التغيـر، فأجِنت سلوكياتهم و وتأسَّنت تعاملاتهم وعطنت تصـرفاتهم، لأنهم كانوا منخرطين في سلكٍ لحمته المصلحة وسُداه حبُّ الذات، أهكذا الناس ينقلبون على أعقابهم، عجبتُ وعجبتُ، وفكرتُ، هل الدنيا خلت من الطيبين الذين إذا رأوا المهمومين والأشقياء يستـرقون الأنظار من رؤيتهم والسمع من سماع ما ناب بهم الدهر وما حلَّتْ بهم شدائدُه، فوا أسفاه أصبح الأنسان الوحوشَ الضواريَ، كلٌ يعيش لنفسه، يغيـِّر تعامله مع الآخرين على قدر مصلحته، يتغيـَّر كل شيء كلمح البصـر.
فيا أيها الناس ! الرحمةَ الرحمةَ، ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم مَن في السماء، ليس أجمل شيء في العالم من أن يرحم السعيدُ الشقيَّ، والفرِحُ الحزينَ، والغنيُ الفقيـرَ، والملِك الرعيةَ. فيا أيها السعداء ! ارحموا على منكوبيكم، ويا أيها الأغنياء لاتتركوا فقراءكم يبكون وراء ظهوركم ويدعو عليكم، ويا أيها الملوك قرِّبوا رعيتكم البائسين المضطهدين، وهم رؤوس أموالكم وقوتكم وشوكتم.
إنَّ أبغضَ مَن نلقاه في حياتنا اليومية المتلونونَ، المنقلبون على أعقابهم، والمغيرون تعاملاتهم حسبَ المصالح الذاتية والمنافع الشخصية، لايقدرون على الإحسان إلا إلى أنفسهم، ولايفكرون إلا لذواتهم، ضربُهم على وجه الأرض لملأ بطونهم وإشباع غرائزهم، يطوفون حول مديريهم ومسؤوليهم كأنهم هم المقسمون أرزاقهم، المالكون لموتهم وحياتهم، المسيطرون على أسودهم وأبيضهم، وهؤلاء البُلْه اللئام ينامون تحت سقف النفاق والمكيدة وعلى أرض الهِتـر والختل، وهم لا يشعرون بأنهم كيف يهدمون بنيان زماتتهم وعمارة رزانتهم ويستأصلون أصول كرامتهم ويجتثُّون جذور حصافتهم ويحطمون شأفات أناتهم.
فيا من تعيث في الأرض فسادًا، ويا من يبغي على المضعوفين ويظلم المنكوبين ! احذروا من أن تصيبكم فتنة أو يصيبكم من عذاب أليم، وسوف تُسئلون أمام الله يومئذ عما تفعلون، واحذروا من أن تصبحوا نملة ليست كالنملات، نملة الحسد، نملة الحقد، نملة العداء، فإنها تهدِّم البيوت الساكنة، وتدمِّـر الديار العامرة المبتهجة، كونوا كالمطر أينما وقع نفع، يتساقط على أكواخ الفقراء وقصور الأغنياء معًا دون الفرق بينهما.
ويا مَن بلُه عقلُه واختلَّ مزاجُه ! الدنيا فانيةٌ والدار الآخرة هي الباقيةُ، استعد لها، وانظر ما قدمت لغد، ولا تهرُب وراء كل ناعق ملتمسًا الجاه والمكانة والرزق، أما سمعت قوله تعالى: ولله العزةُ ولرسوله وللمؤمنين، و إنَّ اللهَ هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينْ.

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of