إيقاظُ الهِمّة للنَّهل من سِيَر مُجدِّدي الأمة

جمیل احمد ضمیر الإنتاج الأدبي النثري

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغُرّ المحجَّلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
فمِمّا لا مرية فيه أنّ مقام التجديد في الدين مقام عظيم، ومنصب جليل، ومرتبة مخصوصة، لا يُلقّاها إلا ذُو حظٍّ عظيمٍ من علماء الأمة المعدودين.
وهم الذين تقذفُ بهم قدرةُ الله عزّ وجلّ إلى هذا الوجود، وتُبرزُهم حكمتُه في فتراتٍ مختلفةٍ من الزمن، على حين فترةٍ من الدعاة والمصلحين، وبُعدِ الناس عن هداية الدين؛ وعند فُشُوّ الجهل، وشيوع التقليد، وظهور البدع، وغلبة الأهواء، وانحسار القيم، وإدبار الفضائل، واستحكام الشرّ والفساد، وانتشار الاستبداد والاستعباد، وحدوث الاعتلال والاختلال في كيان المجتمع.
فيضطلعون بمهمةٍ إصلاحيةٍ شاملةٍ تُمكِّن للعلم، وتقضي على الجهل، وتُحيي الفضائل، وتُعيد سلطانَ الدين، وتجتثّ جذورَ الفساد، وتستأصل شأفةَ الشرّ، وتُطهّر المجتمع من آثار الظلم، وأوضار الباطل.
ويُنادون بالحقّ علانيةً وجهارًا، ويقومون بالهداية العامة للأمة ليلًا ونهارًا؛ فيبعثون فيها حياةً جديدةً، ويُحدثون في كيانها انقلابًا شاملًا؛ فإذا بها تُفيق من غفوتها، وتنهض من كبوتها، وتعود سيرتَها الأولى.
وهم الصفوة المختارة من أئمة العلم؛ الذين يصطفيهم اللهُ تعالى، ويصنعهم على عينه، ويستخلفهم عن أنبيائه ورسله، ويَهَبُهُم الوراثةَ الكاملةَ للنبوة، فيستضيئون بأنوارها، ويقتبسون من آثارها؛ فيشعّ على أيديهم نورُ الكتاب والسنة كعمود الصبح؛ يُبدّدُ الظُّلْمة، ويُذهبُ الغُمّة؛ فتسير سفينةُ الأمة في موجٍ كالجبال، وليلٍ خافتِ الذُّبال على هُداه، وتطوي قافلةُ الدعوة والإصلاح المُغِذّةُ في صحراء طامسة الأعلام ودامسة الظلام، مراحلَها على ضوئه وسَناه.
وهم الذين يُثبّتهم اللهُ بالقول الثابت في الفتن والمحن؛ فلا تزلّ أقدامُهم في مداحض الشبهات، ولا يلجؤون إلى الرخصة مهما عظمت الابتلاءات، وتوالت الامتحانات، ولا يلوذون في معترك القوة والحقّ بالتقية والمداجاة، وإنما يُبيّنون الحقّ والهدى بكل جرأة وصراحة وشجاعة وثبات.
وعلى الرغم من قلة أمثالهم من أئمة الحقّ والهدى، ورُوّاد الإصلاح والتجديد؛ فإنّ التأريخ الإسلامي لحافلٌ بجلائل مآثرهم وآثارهم، وروائع أعمالهم ومواقفهم؛ التي تجسّدت فيها مصابرتُهم ومثابرتُهم على الحقّ، وجهادُهم وكفاحُهم في الدعوة إليه، واستحلاءُهم واستلذاذُهم للأذى والمشاقّ في سبيله؛ فكانت نموذجًا رائعًا لانتصار الحقّ على الباطل، ومثالًا يُحتذى في الصبر على البلاء، وطرازًا عاليًا من الصمود والثبات، ومَعينًا ثرًّا يُغذّي الدعاة والمصلحين على مرّ العصور، ويُمِدّ الحركات العاملة في ساحة الدعوة والإصلاح بالقوة المعنوية والروحية، ويُزوّدها بالأصول النيرة التي تُنير لها الدرب، وتضمن لها التقدّم والازدهار، والثبات والاستقرار.
فما أحرى بالدعاة في هذا العصر -الذي كثرت فيه المعوِّقات، والمثبطّات، وطغت فيه المغريات والملهيات- أن ينهلوا من معين سِيَرهم، ويَعُلّو، ويستلهموا منها عواملَ القوة، والثبات؛ لينجحوا في مسيرتهم الدعوية، ويُفلحوا.
وما أجدر بالحركات الإسلامية أن تستقي منها الأفكارَ النيّرة، والمناهجَ الغرّاء؛ فتُحسِن بناها، وتُسدِّد خُطاها، وتمضي قُدمًا نحو تحقيق أهدافها، وبلوغ مُناها.
وما أخْلَقَ الكُتّابَ والخطباءَ أن يُبرزوا للناس جوانبَ القدوة والأسوة من سير أولئك المجدِّدين، والرُوّاد المصلحين؛ ليقتفوا آثارهم، وينسجوا على منوالهم؛ فيسعدوا في الدنيا والآخرة.
وكم يجمُل بالأساتذة والمدرسين -سُقاةِ البراعم، وبُناةِ الأجيال- أن يتعهدّوا طلابـَهم -مستقبلَ الأمة، ومعاقدَ آمالاها- بين حينٍ لآخر بلقطاتٍ ومقتطفاتٍ من الدروس المستفادة من تلك السير؛ نشرًا للضّمانات التي تكفّ عنهم العثارَ في حياتهم العلمية والعملية معًا.
وكم يتحتّم على شباب الأمة -فلذات أكبادها، ومستودعِ القُوّة فيها، ومبعثِ النشاط والحياة منها- أن يُوطِّنوا أنفسَهم على إدامة النظر في تلك السير؛ ليستخرجوا منها التجارب والعبر؛ فيُفيدوا منها في رسم معالم شخصيتهم، ووضع أهدافهم، وتحديد منطلقاتهم؛ ويستظلّوا بظلالها الوارفة في الأيام اللافحة من حياتهم.
ويا سعادة من وفّقه الله تعالى لاجتناء الثمار اليانعة من تلك السير العطرة.

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of