مكانة الشاعر عند العرب في الجاهلية

أجمل منظور اللغة العربية وآدابها

إن الشعر الجاهلي شعر قديم متصل الحلقات يصور حياة العرب قبل الإسلام، فهو سجل العواطف والمفاخر، سجل العصبيات والحروب، فيه أيام العرب ووقائعهم، وتدوين لأصولهم وأنسابهم، يقول أبو هلال العسكري : "لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيامها ووقائعها إلا من جملة أشعارهم فالشعر ديوان العرب وخزانة حكمتها”(1). وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إِنَّ الشّعْرَ عِلْمَ قومٍ لم يكنْ لَهُم عِلمٌ أصحَ مِنْهُ”(2).

وللشعر منزلة عظيمة عند العرب وللشاعر مكانة لا تضاهى، فإذا نبغ في القبيلة شاعر هنأتها القبائل، وصنعت الأطعمة، وأعلنت الأفراح؛ لأنه حماية لأعراضهم وتخليد لمآثرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتج(3). وقد كان الشعر السجل الصادق للحياة الجاهلية بكل ما فيها من عادات وأخلاق وعصبيات وحروب, ولأنه كشف كثيرا من الغموض الذي يحيط بحياة هؤلاء ومعتقداتهم. فكان الشعر وسيلة الإعلام الوحيدة في القبائل ينشر أمجادها يشيد بأحسابها يفخر بأنسابها يسجل للأجيال مفاخرها ويذكر في كل مجلس انتصاراتها, فما تكاد القصيدة تلقى حتى تسير بها الرواة وتحدوا بها الحداة وتتناقل بين القبائل، وتنتشر في الوديان والسهول مثل الرياح، ومن سرعة انتشار القصيدة بين القبائل العربية يقول المسَّيب بن علس في ذلك(4):

فَلأُهْدِيَنَّ معَ الرِّياحِ قصيدةً

مِنِّي مُغَلْغَلَةً إِلى القَعْقَاعِ


تَرِدُ المياهَ فما تَزالُ غَريبـةً

في القوم بينَ تَمثُّلٍ وسَماعِ

والأمثلة كثيرة لشعراء حموا أعراض قبائلهم، ولشعراء تشفعوا لقبائلهم، أو لأفراد منها فشفعوا، وشعراء رفعوا الوضيع ووضعوا الرفيع, وقصة الأعشى معروفة عندما أراد أن يُسْلِمَ اجتمع كبار مكة وأوقفوه من الذهاب إلى المدينه من خلال ما أعطوه مئة ناقة لمعرفتهم منزلة الأعشى عند العرب(5), فهو الشاعر الذي يضرب له بسوق عكاظ خيمة من الجلد الأحمر ليحكم بين الشعراء, فهو الذي هزم الخنساء وحسان بن ثابت, وهو الذي جعل المحلق بن حنتم بن شدّاد -وهو الرجل الخامل الفقير, أبو البنات الثمان- من أشهر العرب في وقته وهو الذي جعل بناته -أي المحلق- يتزوجن ثمانية من سادة العرب وهن العوانس. وذلك حينما قدم مكة ومدح المحلَّق وذكر كرمه وشرفه وحسن صفاته بعد فقر وخمول ذكر, ثم تحدث عن بناته فقال(6):

أَرِقْتُ وَمَا هَذَا السَّهَـــادُ المؤَرِّقُ

وَمَا بِي مِنْ سُقْمٍ وَمَا بِيَ مَعْشَقُ


وَأَمّا إِذا ما أَوَّبَ المَحلُ سَرحَهُم

وَلاحَ لَهُم مِنَ العَشِــــــــيّاتِ سَملَقُ


نَفى الذَمَّ عَن آلِ المُحَـــلَّقِ جَفنَةٌ

كَجابِيَةِ الشَيــــــــــخِ العِراقِيِّ تَفهَقُ


يَروحُ فَتى صِدقٍ وَيَغـــــــدو عَلَيهِمُ

بِمِلءِ جِفانٍ مِن سَــــــــديفٍ يُدَفَّقُ

فما إن أتم قصيدته حتى انسل الناس إلى المحلق يهنئونه، والأشراف من كل قبيلة يخطبون بناته العوانس فلم تمس منهن واحدة إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها ألف ضعف(7).

وكان بنو حنظلة بن قريع بن عوف بن كعب يقال لهم بنو أنف الناقة, ويسبّون بهذا الاسم في الجاهلية، وكانوا يعدون من قبائل الدرجة الثانية, وكان أحدهم إذا سئل من أي القبائل أنت؟ قال وهو غاض الطرف: أنا من بني أنف الناقة حتى إذا مدحهم الحطيئة بقوله(8):

سِيْرِي أُمَامَ فَإِنَّ الأَكثَرينَ حَصىً

وَالأَكرَمينَ إِذا ما يُنسَبونَ أَبا


قَومٌ هُمُ الأَنفُ وَالأَذنابُ غَيرُهُمُ

وَمَن يُسَوّي بِأَنفِ الناقَةِ الذَنَبا

صار اسمهم شرفاً لهم. وصار أحدهم إذا سئل عن قبيلته قال فى اعتزاز: أنا من بني أنف الناقة(9).

وكان بنو عبد المدان الحارثيين يفخرون بطول أجسامهم وقديم شرفهم حتى قال فيهم حسان بن ثابت(10):

حارِ بنَ كَعبٍ أَلا الأَحلامُ تَزجُرُكُم

عَنّيِ وَأَنتُم مِنَ الجَوفِ الجَمَاخِيرِ


لَا عَيْبَ بِالقَومِ مِن طُولٍ وَلَا عِظَمٍ

جِسْمُ البِغَالِ وَأَحْلَامُ العَصَافِيرِ

فقالوا له: والله يا أبا الوليد لقد تركتنا ونحن نستحي من ذكر أجسامنا بعد أن كنا نفخر بها! فقال لهم: سأصلح منكم ما أفسدت، فقال فيهم(11):

قَدْ كُنَّا نَقُولُ إِذَا رَأَيْـــــنَا

لِذِي جِسْمٍ يُعَدُّ وَذِي بَيَانِ


كَأَنَّكَ أَيُّها المُعْطِى لِسَاناً

وَجِسْمًا مِنْ بَني عَبْدِ الـمَدَانِ

وكان بنو العجلان يفخرون بهذا الاسم، ويتشرّفون بهذا الوسم؛ إذ كان عبد الله بن كعب جدّهم إنما سمّى العجلان لتعجيله القرى للضّيفان؛ وذلك أن حيّا من طيىء نزلوا به، فبعث إليهم بقراهم عبدا له، وقال له: اعجل عليهم، ففعل العبد، فأعتقه لعجلته، فقال القوم: ما ينبغى أن يسمى إلّا العجلان؛ فسمى بذلك؛ فكان شرفا لهم، حتى قال النجاشى الحارثي يهجوهم(12):

أُولئِكَ إخْوَانُ الذَّلِيلِ وَأُسْرَةُ الــــــ

ـــــلّئيمِ وَرَهْــــــطُ الخَائِنِ المُتَــــــذَلِّلِ


ومَا سُمِّيَ العَجْلاَنَ إلاَّ لِقَولِهِـــــــمْ:

خُذِ القَعْبَ وَاحْلُبْ أيُّها العَبْدُ واعْجَلِ

فصار الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال: كعبى، ويكنى عن العجلان(13). قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمى: سمعت أبا عمرو بن العلاء ورجل يقول: إنما الشعر كالميسم. فقال: وكيف يكون ذلك كذلك؟ والميسم يذهب بذهاب الجلد ويدرس مع طول العهد، والشعر يبقى على الأبناء بعد الآباء، ما بقيت الأرض والسماء(14). وإلى هذا أشار الطائى في قوله(15):

وَإِنِّى رَأَيْتُ الْوَسْمَ فِي خُلُقِ الْفَتَى

هُوَ الْوَسْمُ لَا مَا كَانَ فِي الشِّعْرِ وَالْجِلْدِ

ولقد كانت القبيلة تحرص على رواية شعرها فتعلم صغارها الشعر وحفظ أشعار القبية خاصة، كما كانت تفعل تغلب في تحفيظ أبنائها معلقة عمرو بن كلثوم، فهجاها شاعر بكر بقوله(16):

أَلْهَى بَنِي تَغْلِبَ عَنْ كُلِّ مَكْرُمَةٍ

قَصِيْدَةٌ قَالَهَا عَمْرِو بْنِ كُلْثُومِ


يُفَاخِرُونَ بهَا مُذْ كَانَ أَوَّلُهـــــمْ

يَا لِلرِّجَالِ لِفَخْرٍ غَيْرِ مَسْؤُومِ

وكان من اهتمام الجاهليين بالشعر أنهم أقاموا أسواقا ليست للتجارة فحسب بل كانت للتحكيم في الخصومات ومفاداة الأسرى والتشاور في المهمات والمفاخرة بالشعر والخطب, ومن أشهر هذه الأسواق سوق عكاظ وسوق مجنة وسوق ذي المجاز. كانوا يجتمعون فيها محكمين يحكمون بين الشعراء, وكان من أشهر المحكمين النابغة الذبياني فقد كانت تنصب له خيمة حمراء في سوق عكاظ ويعرض عليه الشعراء وأشعارهم. وكان لتلك الأسواق آثار عظيمة في اللغة والأدب. ومن أهم تلك الآثار أنها عملت على تقريب لهجات القبائل؛ لأن الجميع كانوا يتخاطبون باللهجة القرشية. يقول أبو عمرو بن العلاء: "كانت الشعراء في الجاهلية بمنزلة الأنبياء في الأمم”(17)؛ وذلك يعود إلى طبيعة إلهامهم واقتدارهم العقلي على استخراج المعاني، وشجاعتهم، وربما شبههم بالأنبياء من جهة تأثيرهم في نفوس العرب، وانقياد العرب للقيم التي ينادي بها الشعراء، فهم مصادر تشريع كالأنبياء، ومحل تقدير وطاعة عندهم.

 

الحواشي:

1-كتاب الصناعتين: 138

2-طبقات فحول الشعراء: 1/28، خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي: 4/424، العصر الجاهلي لشوقي ضيف: 144

3-كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني:1/65، مجاني الأدب في حدائق العرب: 3/317، تاريخ آداب العرب: 3/21

4-المفضليات: 62، طبقات فحول الشعراء: 1/157، المعاني الكبير: 2/803، كتاب الاختيارين: 323، العقد الفريد: 7/183

5-الشعر والشعراء لابن قتيبة: 1/250، خزانة الأدب: 1/176

6-ديوان الأعشى الكبير: 217 والقصيدة رقم: 33, والجابية: الحوض الضخم.

7-كتاب العمدة: 1/49، تاريخ آداب العرب: 3/65

8-ديوان الحطيئة: 44-45, وسبب ذلك أن أباهم نحر جزورا وقسم اللحم، فجاء حنظلة وقد فرغ اللحم وبقي الرأس، وكان صبيا، فجعل يجرّه، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أنف الناقة. فلقّب به. انظر كتاب العمدة: 1/50، العقد الفريد: 6/177، زهر الآداب وثمر الألباب: 1/54

9-البيان والتبيين: 3/269، محاضرات الأدباء: 2/369، ربيع الأبرار ونصوص الأخيار: 2/462

10-ديوان حسان بن ثابت: 129

11-الكامل في اللغة والأدب: 1/80، العقد الفريد: 6/177، خزانة الأدب: 4/76

12-الوحشيات (الحماسة الصغرى):216, الشعر والشعراء: 1/319، واسم الشاعر قيس بن عمرو بن حرن ابن الحارث بن كعب

13-زهر الآداب وثمر الألباب: 1/54-55

14-زهر الآداب وثمر الألباب:1/ 58

15غرر الخصائص الواضحة: 14، زهر الآداب وثمر الألباب: 1/58، زهر الأكم في الأمثال والحكم: 2/251

16-شرح المعلقات السبع للزوزني: 213، خزانة الأدب: 3/181، في تاريخ الأدب الجاهلي: 114، الشعر الجاهلي ليحيى الجبوري: 136

17-الممتع في علم الشعر وعمله للنهشلي: 25

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of