خواطر عن المسجد النبوي الشريف

طارق اسعد الإنتاج الأدبي النثري

أكتب هذه الأسطر والمسجد النبوي الشريف يحتضنني بين سواريه الشامخة وجدرانه المزخرفة، فهو الحرم الثاني حيث تشد إليه الرحال وتجتلب إليه القلوب وتسكن إليه النفوس، يكتظ المسجد بالمصلين الوافدين إليه من كل فج عميق ليكتنزوا الذخائر النفيسة ويدخروا اللآلي المقدسة من الصلاة، والدعاء، والتوبة، والإنابة، والتلاوة، والذكر وما إلى ذلك من العبادات. فتجد الزوار ما بين الداعين والمضطرين، والباكين، والخاشعين، والساجدين والراكعين، وكل يحاول أن يغتنم هذه الفرصة الذهبية ويبذل قصارى جهده في العبادات ولا يدخر وسعاً فيها.

كلما أتجول فيه أشعر بالغبطة والسعادة بأن هذا هو المقام الذي وطأته أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الأرض التي مر عليها أصحابه، وتنفس في هواءها وتنفسوا، وعاشوا في بقاعها معه، فكان يقضي معهم ليله ونهاره وعشيه وضحاه، يدرب الأمور ويرتب الشؤون ويدرب الصحابة ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، يخطط الجيوش، ويشاورهم، فيبدي رأيه، ويستبدي آراءهم ويستقبل الوفود، ويستضيف الضيوف، ويتلو القرآن ويبين الأحكام، فكل هذا يجري في هذه البقعة الشريفة.

ومنظر أولئك الرجال الأفذاذ يلمح في بصري حينما أتجول فيه الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأسرهم ولازموا مكانا مخصصا للعلم والتعلم، والقراءة، والأخذ، والاستفادة، فلا تعبئهم المشاغل الدنيوية ولا يهمهم صفق في الأسواق، ولا يرغبون في تجارة ولا بيع، انقطعوا عن الدنيا ووقفوا أنفسهم للمشاغل العلمية والتعليمية فقط، وهم الذين يعرفهم التاريخ ب "أصحاب الصفة.”

فجهود أهل الصفة -الصفوة المختارة- لا تزال تحكي لنا بأن المسجد النبوي الشريف مع كونه مكانا مخصصا للعبادة، كان مهبط العلم و مهوى المعرفة وموضع الثقافة، انبثق منه أنوار العلوم وأضواء المعارف وأشعة المعلومات التي أشرقت مشارق الأرض ومغاربها وأضاءت عربيها وعجميها، وثقفت ذكرها وأنثاها، وهذبت حاضرها وباديها، تيمم إليه العلماء، وقصد إليه الفقهاء، فملؤوا الأرض بالعلوم النافعة، ونشروا تعاليم الإسلام، وذهبوا بالأمة نحو الرقي والزدهار.

نعم! هنا أدار الإمام مالك رحمه الله إمام دار الهجرة مجالسه ودروسه، وتهيأ للتدريس والتعليم والفتيا، والتاليف، والتصنيف، وأعد نخبة من الفقهاء وجماعة من العلماء الذين احتذوا حذوه واقتفوا آثاره وأصبحوا مناراً للعلوم.

فقد ضمت سواري المسجد النبوي أمثال ابن شهاب الزهري، ومحمد الباقر، ومحمد الكوراني، ومحمد بن محمد الطيب الفاسي، ومحمد حيات السندي، وعبد الكريم الأنصاري، ومحمد أمين الشنقيطي ، ومحمد أبو الطيب الأنصاري، وصالح التونسي، ، وحماد الأنصاري،و أبو بكر الجزائري، وعطية بن محمد سالم، وعمر حسن فلاته، ومحمد مختار الشنقيطي الذين كان لهم حلق علمية عبر مختلف العصور والدهور، فهؤلاء هم عظماء الأمة ورواد السنة ونجوم الجماعة الذين لم يزالوا ولايزالون يقرون أعيُن الطلاب ويشفون غلتهم ويروون ظمأهم.

فمن بين هؤلاء حلقة الشيخ عبد المحسن العباد التي تتصف بالوقار والسكينة، يتيمم إليها الطلاب والباحثون، والمدرسون، والمحاضرون ليتخطفوا الأزهار الفواحة والأوراد العطرة من بستان المعرفة وحديقة الثقافة، وهو يغرس هذا البستان من مياه منهج السلف الصالح ويروّيه من أنهار المصادر الصحيحة ويزينه بالعلم والعمل، والشيخ لايبرح يعقد مجلسه مع أنه ناهز التسعين، وفقد بصره، واضمحلت قواه، يؤتى به على العربة، حيثما أنظر إليه يخطر ببالي علو همة ذلك المحدث الهندي السيد نذير حسين محدث الدهلوي رحمه الله الذي لازم التدريس مع أنه جاوز التسعين وكان أيضا يؤتى به على السرير ليلقي الدروس، ويسمع ما يقرئ عليه من المتون والأسانيد، فقد نوّر آفاق الهند بأضواء الكتاب والسنة وقام بتدريس الحديث الشريف وتعليمه وكشف معضلاته وفق منهج السلف الصالح، فاستفاد منه خلق كثير وجمع عظيم وأصبحوا بعد ذلك نفاعين للأمة، ودفاعين عن السنة، ومصابيح الهدى التي لاتزال تضيئ مشارق الأرض ومغاربها، فما أشبه اليوم بالأمس وما أشبه الليلة بالبارحة.

وكذلك تجد في المسجد النبوي الشريف الطلاب يفدون إليه بالاشتياق الكبير والحب العظيم ويشتغلون فيه بمشاغلهم العلمية، فهذا يشارك في مجالس الشيوخ، وذلك يستفيد من حلقات حفظ القرآن الكريم وتجويده، وواحد يحفظ المتون ويسمّع على الأستاذ، وآخر يستغرق في قراءة الكتب، وطالب يقوم بأداء واجباته الدراسية، وتلميذ يراجع ما درس في المحاضرة، ودارس يستعد للاختبار النهائي، ومتعلم يتهيئ للاختبار الفصلي، فكل هذه المناظر تأسر القلوب، وتمتع العقول، وتسر الناظرين، وتغبط السامعين.

لا شك أن الله كتب لهذا المكان عزا وشرفا،وبركة وخيرا،ومجداً وشماخاً،وعلوا وارتفاعا،ينبغي لكل من قصد إليه أن يبذل قصارى جهده في التماس الخير والبركة، والرحمة والرضوان، ويحشد قلبه بالسكون والطمانينة، ويزود روحه بالسعادة والبهجة، عسى الله أن يوفقنا لاغتنام هذه الفرصة الذهبية، ويقبل كل طاعاتنا حيثما كنا، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of