هل هي إلا قيامة صغرى

محمد معراج عالم الإنتاج الأدبي النثري

تبكي الطفلة وتنادي أمها وتستغيث بها وتقول الغوث.. الغوث… النجدة… النجدة…، وتريد أن تقول لأمها شيئا ولكن الكلمات تموت في حلقها، لأنها تعاني من ألم الزكام والحمى الشديدة، ويصعب عليها التنفس وتتألم كليتها، فليس لها إلا أن تسيل الدموع من عينيها وهي تتململ على فراشها تململ السليم، وأما أمها فهي تسليها من بعد وتلقنها بالصبر، ولاتزال الطفلة تشير بيدها إلى حلقها لأنه يتألم من تتابع التنحنح وإلى رأسها لأنها تكاد أن تصدع من أجل الصداع وإلى جسدها لأنه يكاد أن يحترق من أجل الحمى التي تجاوزت حرارتها حدها، ولا تزال تدعو أمها إليها لكي تدنو إليها وتضع يدها على جسدها لكي تجد شيئا من الراحة ببرودة يديها، ولكن الأم تقوم على بعد نحو أربعة أذرع منها وتلقنها بأن تصلي على النبي وتسلم عليه وتقرأ سورا مما حفظتها عن ظهر القلب.
وقعت الأم في صراع عجيب، في جانب تدفع مودتها الأمومية إلى طفلتها، وفي جانب آخر يعوقها الخوف من تعدي المرض دون الدنو من الطفلة، فهي تقدم رجلا وتؤخر أخرى، والطفلة تلقي على أمها نظرة يتجلى فيها الرجاء والأمل والتوقع لأن الأم هي آخر ملجأ ولا ترى لها مأوى سواها والأم تنظر إلى طفلتها بنظرة فيها الترحم في جانب وأثر اليأس في جانب لأنها غير قادرة على مد يد المساعدة إليها وعاجزة عن تقديم أي عون سوى أن تتصل بالمستشفى الحكومية التي تعتني برعاية أمثال هؤلاء المرضى، بينما كانت الأم تسلي طفلتها من بعد حتى جاءت سيارة الإسعاف وكان سائقها مرتديا لباسا وقائيا يمنع من تسرب المرض إلى الجسم، فأركب الطفلة على السيارة وساقها إلى المستشفى. وأتت أمها خلفها بسيارة أخرى، فلما وصلت إلى المستشفى أدخلها الأطباء في غرفة، وحاولت الأم أن تدخل في تلك الغرفة ولكن الأطباء منعوها، ثم حاولت أن تنظر إلى ابنتها الباكية من نافذة الغرفة فزجرتها طبيبة وقالت: ابتعدي من هنا، خلي وحدك، وأنقذي نفسك من هذا المرض المتعدي، لو بقيت هنا فلا تأمنين من أن يتعدى إليك هذا المرض، ولا يسمح لك بأن تمكثي داخل المستشفى، فاذهبي إلى بيتك، والزمي بيتك واسجني نفسك في بيتك، واتركي ابنتك على الله فلو قدر الله لها الحياة فسترجع إليك سالمة من هذا المرض.
خرجت الأم من داخل المستشفى وجلست في فنائها تحت ظل شجرة وتفجرت ينايبع حزنها لابنتها التي تكاد أن تشرق شمس حياتها، وليس هناك أحد يسليها ويمسح الدموع من عينيها لأن فيروس كورونا دفع البلدة إلى الإغلاق التام، فاسود على المدينة الهدوء كأنها مقبرة لا داعي فيها ولا مجيب، تدفق قلبها حزنا وبدأت تبكي وتقول: يا كرونا، أنت فرقت بين الأم وابنتها، وأنت جعلت الأم لم يكن لها أن تضع يديها على فلذة كبدها وهي تأن من ألم الحمى والصداع والنعاس، كل امرء يبتعد من الآخر رغم قرابتها ومودتها، أنت فرقت بين الأب والابن وبين الأم والبنت والزوج والزوجة والحبيب والحبيبة، فإذا مرض أحد لا يدنو منه أحد مهما كان حبيبا لديه. فياكرونا، كنت قرأت في القرآن أن يوم القيامة أشد هولا وكل شخص يفر من الآخر، فقد صورها القرآن "يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ”. ولكن أنت كرونا فسرت هذه الآية وأقمت القيامة قبل أن ينفخ اسرافيل في الصور، فقد أتيت بالقيامة الصغرى قبل أن يأتي إسرافيل بالقيامة الكبرى، أنت كرونا أكبر شبه بإسرافيل من هذه الناحية. فقد ذكرتنا بالقيامة التي تدع المرضعة أن تذهل عمن أرضعت، فياكرونا، أنت ما زدتنا إلا إيمانا بالقيمة. ثم بدأت تدعو لابنتها وبقيت جالسة تمد يديها إلى السماء وتتضرع أمام الله وتبتهل أمامها لطلب الشفاء لفلذة كبدها.

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of