وقفة مع تجربة جديدة بالقرآن الكريم في شهر رمضان

شمس الرب خان الافتتاحية

الإغلاق التام الذي نضطر لعيشه جراء جائحة كورونا قد حول الحياة بما لم نكن نظن من قبل. ففي جملة، الحياة محصورة في حدود البيوت، وكل شيء نربطه بما وراء البيوت إما متوقف تماما أم سائر في أقل دائرته.
الصلوات في المساجد لا تشذ عن هذه القاعدة. فالمساجد مغلقة لصلاة الجماعة ولا نسمع صوتا من المساجد إلا صوت الأذان.
شهر رمضان المبارك شهر تكون المساجد فيه معمورة أكثر من الأيام الأخرى. فتزداد أعداد المصلين، ويكثر الناس من العبادة والتلاوة، ويهتمون بصلوات التراويح اهتماما خاصا. ولهذا الاهتمام بصلوات التراويح، يتم توظيف حفاظ القرآن الكريم في كل مسجد تقريبا ليؤموا الناس ويُسمعوهم القرآن الكريم كاملا في صلوات التراويح.
وبما أن المساجد لم تكن مفتوحة لصلاة الجماعة هذه السنة فلم يتم توظيف حفاظ القرآن الكريم ولم تعقد صلوات التراويح في المساجد. ومن ثم، لجأ الحفاظ إلى بيوتهم وأقاموا الصلوات وأموا أهلهم في صلوات التراويح فيها.
وبالإضافة إلى الحفاظ الذين كان لهم عهد بصلوات التراويح إمامة طوال هذه السنين، قام كثير من الحفاظ الآخرين أيضا الذين كانت قد شغلتهم الشواغل عن أن يؤموا الناس في صلوات التراويح فجددوا عهدهم بها إمامة في بيوتهم باختلاف الوضع والمكان. وأنا أيضا من هذه الطبقة الأخيرة.
تجربة العودة إلى الإمامة في صلوات التراويح تجربة فذة بالنسبة لي وهي مختلفة عما كنت أجرب حينما كنت أؤم الناس في صلوات التراويح في شهر رمضان المبارك كحافظ للقرآن قبل عدة سنوات.
في تلك الأيام، كانت هناك ضغوط هائلة تتمثل في إكمال القرآن الكريم قراءة في صلوات التراويح في غضون شهر رمضان بل قبل ثلاثة أيام من انصرامه حسب العادة المتبعة في أغلب القرى والمدن الهندية. وكان هناك قلق دائم بشأن النسيان أثناء القراءة لارتباطه بسمعة الحفاظ في شكل غير مناسب في أوساط غير واعية. وكل العناية أو جلها كانت مركزة على أن تتم قراءة القرآن الكريم بسرعة فائقة حرصا على تلاوة الكثير من القرآن في القليل من الوقت، وخوفا من طول القيام وتنحنح المصلين بدون عارض أثناء الصلاة وإرشادات متولي المسجد الطويلة بعدها ونظرات الشيوخ الهاجمة بين الترويحات وعقبها. قراءة القرآن الكريم كان يتم ميكانيكيا ولكن كان لا يتم شيء أساسي وأهم من ذلك كله وهو قراءة القرآن بالترتيل والتفهم والتدبر والتذوق.
ولكن هذه السنة لم تعد هذه الحواجز باقية والظروف المتغيرة حولتني من موظف مقيد بشروط الوظيفة والتزاماتها المانعة في أغلب الأحيان من إقامة صلة مباشرة بالقرآن إلى إمام متطوع في البيت لم يخضع لحواجز مصطنعة بينه وبين القرآن. فليس هناك اضطرار لإكمال القرآن الكريم في صلوات التراويح وليس هناك مانع من أن أقرأ من القرآن الكريم نصف صفحة ولكن بكامل التدبر والتذوق. وهذا الفرق فرق نوعي كبير لا يوصف. فالصلة بالقرآن الكريم الآن ليست صلة ماكينيكية ولا صلة وظيفية، بل صلة التدبر والتفهم والتذوق والغوص في معاني القرآن الكريم ومفاهيمه ومتطلباته. لا أستطيع أن أصف البشاشة التي تخالط القلب حينما أتلو القرآن الكريم بتمهل وأعي معناه وأقف عنده متدبرا وأتذوق حلاوته وأدخر الأثر الطيب قبل أن أتقدم إلى الآية التالية. هذه تجربة ماورائية.
الابتهاج النفسي الذي ينبع من هذه التجربة ينتج عن إحلال الحرية والاستقلال النفسي محل الضغط والخوف، ويذيب الفوارق المصطنعة بين القاري وبين القرآن الكريم. هذه تجربة تنقل صلته بالقرآن الكريم من الحدود المصطنعة إلى صلة ترتبط بالروح ارتباطا عميقا.
كم أتساءل نفسي – والحالة هذه – هل يجوز أن نبني سدا بيننا وبين القرآن الكريم بالقواعد والسلوكيات التي تشدد على الأمور الثانوية المتعلقة بتلاوة القرآن الكريم وتحرمنا من الالتزام بالأمور الأولوية من تفهم وتدبر وتذوق وتقيد بمققتضاه؟ ألم نجرد تلاوتنا عن روحها وحولناها إلى عملية ميكانيكية تنفع نفعا قليلا باهتا في العد فحسب ولا تنفع شيىٔا في الوصول إلى الأغراض التي أنزل القرآن لها. السؤال مطروح علينا جميعا. اللهم افتح علينا بالحق وأنت خير الفاتحين.
لنلزم علينا التفهم والتدبر مهما قرأنا القرآن الكريم. لنغص في بحر القرآن بدلا من أن نطفو على سطحه. لنربط القرآن الكريم بعقولنا وقلوبنا وأرواحنا بدلا من أن نقصر ارتباطنا به على لساننا وحده.
لنعلم أن القرآن الكريم رسالة الله الخالدة فلنقرأ هذه الرسالة لنفهمها ونعمل بها. لنذكر أن القرآن الكريم كتاب الله الهادي إلى سواء السبيل فلنهتد به ولنتمسك بطريقه. وهذا سيتيسر إن ركزنا عنايتنا على فهم القرآن الكريم والتأثر برسالته والعمل بمتطلباته. والله هو الموفق وهو الهادي إلى الصراط المستقيم.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا. اللهم اجعل القرآن حجة لنا ولا تجعله حجة علينا. اللهم اجعلنا ممن يقرؤه فيرقى ولا تجعلنا ممن يقرؤه فيزل ويشقى. اللهم ارزقنا بكل حرف من القرآن حلاوة وبكل كلمة كرامة وبكل آية سعادة وبكل سورة سلامة وبكل جزء جزاءا. اللـهم ذكرنـا مـنـه ما نَسيـنا وعلمنا منه ما جهـلنا، اللهم آمين يارب العالمين.

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of