خواطر عن اللغة العربية في الهند

شمس الرب خان الافتتاحية

كثيرًا ما يراودني مشهد لغوي مستقبلي أرى فيه اللغة العربية تتمتع ببنية لغوية قوية في الهند، وتحتل مكانا محليا أو ما يقرب منه نطقا وكتابة، تعلما وتعليما، ولا أستبعد أن هذا المطمح بالنسبة للغة العربية في الهند قد يبدو مثاليا مفرطا حتى لجل مزاوليها، ولكنني واثق إلى أبعد حدود الثقة من جدوى هذا المشهد، أو الحلم، أو التطلع مهما كان التعبير بشرطين أساسيين. علينا أولا أن نبحث الوضع الراهن للغة العربية بكل إحرازاته وادخاراته بالهند بحثا واقعيا دقيقا يمكننا من التعرف على أماكن القوة ومنابت الضعف في سبيل نشرها على المستوى الشعبي ومنحها اللمسة الأرضية الشاملة. ثم يجب علينا أن نعدَّ خطة تكشف عن أماكن القوة وتستخدمها وتجسد تجسيدا متينا لتزيل أسباب الضعف ودوافع الوهن تمهيدا لما وراءها من اندفاع وانجذاب عفويين إلى اللغة لما فيها من فوائد جمة مترامية الأطراف متشعبة المناحي تتمثل، مثلا لا حصرا، في الكفاءة الدينية الأساسية، والاستفادة من فرص اقتصادية ناشئة من الارتباط بعالم اقتصادي هام، والثراء اللغوي، وترويج ثقافة عربية إسلامية صيانة لثقافتنا الإسلامية الأصيلة وردعا لتيارات الثقافة الغربية المهلكة التي تنخر من كياننا الثقافي. فاللغة العربية ليست لغة فحسب بل مفتاح أساسي لكنوز العلم، والمعرفة، والثقافة، وسبيل رشيد للعيش السليم.

ولا بد من القول بأن وجود منظَّمة قوية فعالة موحدة شاملة لمزاولي اللغة في الهند حتمي لتعد هذه الخطة وترى نور النجاح. ولا أنكر وجود منظمات تجعل اللغة العربية مركز نشاطاتها ولكنها لا تفي بالغرض وفاءً مقنعا وتحتاج إلى كثير من الإصلاحات الجذرية لتؤدي مهامها أداءً ممتازا.

حينما ذكرنا أماكن القوة للغة أردنا ما لها من البنية التحتية في الهند في صورة المدارس والجامعات العربية الإسلامية وأقسام اللغة العربية في الكليات والجامعات الحكومية الهندية. وجود هذه البنية التحتية للغة العربية في الهند يشكل فضلا لايتأتى لأية لغة أجنبية أخرى. ولكن الواقع مؤسف رغم ذلك. والأسباب ترجع إلى إهمال اللغة العربية نطقا وكتابة وتعاملا وبخاصة في المدارس العربية الإسلامية كلغة حية ترتبط بفرص العمل الشاملة المتعلقة باللغة في الهند وخارجها وتخلق جوا ثقافيا أهليا ينحاز إلى اللغة العربية ويتدرج إلى جعلها بمثابة اللغة الأولى للعلوم الدينية على الأقل ولغة التواصل بين مسلمي العالم كنقطة الانطلاق لنشر الثقافة العربية الإسلامية وترويجها، والحد من سيل الثقافة الغربية العارمة و قطع تيارها الجارف في مجتمعنا. لا شك أننا حلمنا فقطعنا شوطا بعيدا في الحلم ولكننا نؤمن بجدوى الحلم ونعتقد أن الحلم الصحيح الطموح المتبع بالعمل السديد الدؤوب وحده كفيل بإحداث تغيير في صالحنا أمة وفردا. ولابد من الإيضاح بأن هذا لايستلزم إهمال اللغات المحلية فلها شأن لا يقل أهمية ويمكن استيفاء حقوقها بإدراجها في المنهج كمادة تدرس ويدرب عليها بحيث يسد حاجتنا منها.

أما أقسام اللغة العربية في الكليات والجامعات الحكومية الهندية فإنها حديثة المنهج والانطلاق نسبيا، وتحاول أن تعالج اللغة كلغة وتربطها بنواحي الكسب والمعاش. ولكن هذه الرؤية إن صدقت في عدة منها فإنها لا تصدق في جميعها. فالحالة أن جميع أقسام اللغة العربية في الجامعات والكليات ما عدا بعضها مشتتة ومشوشة من حيث الانطلاق، والمنهج وتبقى مستعطفة على نفسها غانمة من بقائها. فجلها تركز على الطبيعة الدينية للغة في معناها الضيق وتهمل غيرها ما يؤدي إلى تقليص نطاق اللغة ومنع اللغة من كونها مهنة عملية. والطريف في الأمر أنها لا تقدرعلى الاستفادة حتى من إمكانيات اللغة الدينية على الرغم من التركيز الهوائي الفارغ المثرثر على نواحي اللغة الدينية فيكون مثلها مثل المذبذب بين ذلك، لا إلى هولاء ولا إلى هولاء. ويرفضها حتى مجتمع المسلمين فيبكي ذووا الشأن ويلقون اللؤم على غيرهم والحق أنهم مسؤولون عن هذا التردي الشامل. ولا علاج له إلا إذا عرف مزاولوا اللغة أماكن ضعفهم ثم عملوا لإزالتها على مستوى الحرب.

لنذكر أن لنشر اللغة العربية في الهند بل لنشر أية لغة في أي مكان على وجه العموم ساحة أساسية لم تنل العناية التي تستحقها وإن كانت لها بداية مؤخرا، ألا وهي ساحة الكتاتيب والمدارس. لا بد من السعي لإدراج اللغة العربية في مناهج المدارس والكتاتيب وبخاصة في المدارس والكتاتيب التي يديرها المسلمون ليتم تجذير اللغة كمادة في المستوى الأساسي نفسه وتوفير مدة كافية للطلبة لتقوية ملكتهم على اللغة. هذا بالإضافة إلى ما ينشأ منه من كادر منظم للمدرسين والمهنيين يجعل مزاولة اللغة مهنة عملية ويزيد من قوتها البشرية.

إن لنشر لغة في العصر الحديث وسائل من أهمها الإنتاج الأدبي شعرا ونثرا، والصحافة، ودور الطباعة والنشر، والإذاعة والتلفزيون والسينما وما إلى ذلك مما توصل اللغة إلى المستوى الشعبي، وتغلغل وجودها في أحشاء المجتمع، و تعمق جذورها في الكيان الثقافي، وترسخ رسالتها في أذهان الناس. ولايخفى على متتبع للغة العربية في الهند عدم توافرها رغم الإمكانيات الهائلة. فأردنا أن نبذل ما يسعنا من الجهد لتوفير رصيف للأدباء والكتاب والباحثين كبداية متواضعة في سبيل نشر اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية فنتج هذا الموقع العربي وما نهدف للمستقبل كثير، نسأل الله تبارك وتعالى العون والتوفيق في تحقيقه.

وفي الختام، نرجو ممن يمتون بصلة إلى اللغة العربية وينخرطون بسلكها المشاركة، والمساعدة، والتشجيع بما لها من الصور والأشكال، أعلاها الكتابة فيها، والسعي لنشرها، والبذل لصالحها، والمشاركة في تحقيق حلمنا، والدعاء بكلمة الخير والسداد. ولا نتوقع منكم إلا الأعلى ولا يجدر بنا وبكم أن نتوقع منكم ما دون ذلك. فلنسارع إلى ما هو أعلى وأصلح وأبقى وأصلب…

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of