ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله

تسليم الدين حفاظ الدين العالي

إن المسلمين في الھند يقفون الآن في أحرج موقف، ويمرون بأصعب ما يكون من الأحوال والظروف، تراكمت الأحزان، وتفاقمت الأشجان، وتتوالت المصائب، وتقع الحوادث المؤلمة والكوارث المحزنة مرة تلو المرة، فاهتزت مشاعر الحزن والألم في قلوب المسلمين، ووقفوا حيارى، ويتساءلون فيما بينھم، كيف نواجه هذه الفترات العصيبة الرهيبة الحالكة، وكيف نتخلص من الفتن والمحن، وماذا نفعل في هذه الظروف والملابسات الدقيقة المعقدة، وما هي التعاليم الإسلامية التي أرشدنا إليها الإسلام في مثل هذه الظروف القاسية والأحوال الشديدة.

أخي القارئ ! أول شيء يجب أن نقوم به بعد الإيمان بأن الأمر كله بيد الله، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يعز من يشاء ويذل من يشاء، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، لا راد لقضائه، هو أن نعرف الأوضاع السائدة معرفةً دقيقةً. يتحتم على كل مسلم لبيب عامةً وعلى الذين بأيديھم زمام الأمة المسلمة خاصةً، من الزعماء المسلين والمحامين والطبقات المثقفة ومسؤولي الجمعيات المختلفة أن يتعرفوا على الأوضاع السائدة التي يعيشونھا تعرفا دقيقا، ويتثبتوا من موقف الأعداء تثبتا عميقا، ويأخذوا حذرھم، ويتخذوا الإجراءات الاحترازية بعد التشاور فيما بينھم حسب ما تقتضي الأوضاع. فإن تاريخ الإسلام مليئ بالمواقف الرائعة لاتخاذ التدابير الحازمة والإجراءات الاحترازية حسب الأحوال والظروف. ولقد حثت شريعتنا الغراء على التشاورفي الأمور التي تحتاج إلى مشورة. قال تعالى لنبيه ﷺ : (وشاورھم في الأمر)(آل عمران :159) فقد كان من عادة النبي ﷺ المباركة أنه كان يعقد المجالس الاستشارية إذا دعت الحاجة إليها، لاختيار أحزم المواقف بعد تبادل الآراء.

أرجو منك -أيھا القارئ الكريم- أن تعيد في ذھنك وقعة غزوة الأحزاب، كيف كان النبيﷺ -وھو صاحب الوحي الإلهي- سارع إلي عقد مجلس استشاري أعلى لاتخاذ خطة الدفاع عن كيان المدينة، لما بلغه أن جيشا عرمرما تجمع حول المدينة، يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل. فاتفق المسلمون في ذلك المجلس بعد مناقشات على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي رضي الله عنه. وكذا أمعن النظر في الاستخبارات النبوية في الغزوات المتعددة التي كانت تكشف تحركات العدو في كل دقيقة وثانية، وكان المسلمون يأخذون خطة الدفاع ويستعدون للطوارئ حسب ما تنقله الاستخبارات من أخبار وتحركات العدو.

كل ذلك يدل على مدى ماكان النبيﷺ عليه و أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين من بعد النظر، وعمق الفراسة، والتيقظ التام، وتفقد الأحوال، ومعرفة حركة العدو، والاستعداد الكامل للطوارئ، وترك اليأس والقنوط، والتوكل الكامل على نصر الله مع ضآلة العدد وقلة العتاد مقابل العدو.

وسيرة النبي ﷺهذه في الغزوات والحروب ترشدنا معشر المسلمين إلى أن نواجه الظروف، مھما كانت قاسية و شديدة، بعلو الھمة والشجاعة والبسالة، ونستعد ونعد لھا بقدر المستطاع، وأن لا نقنط من رحمة الله تعالى بأي حال، فإن اليأس والقنوط من صفات الكافرين والضآلين. قال تعالى :(قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون) (الحجر : 65)

فالمؤمن الحقيقي الغيور لا يقنط من رحمة الله، ولا ينھزم أمام الظروف المضادة، ولا يسمح نفسه بالانتكاس والانسحاب عن جادة الامتحان والابتلاء. مھما يقس عليه الزمن، ومھما يواجه في طريقه عقبات كأداء، ومھما يتعرض لشدائد وعوائق تسد في وجھه الآمال وتحول دون وصوله إلى الغايات، فلن يبيح لنفسه أن يكون جازعا قانطا متشائما. إيمانه بالله يقويه دائما، ويجعله شجاعا جرئا مغامرا.

إننا معشر المسلمين نمر بأصعب المراحل و أشد الأحوال في الھند لأجل قانون التجنيس الجديد، ونتظاھر ضد ھذا القانون الغاشم بالاستمرار، ولاتزال المظاھرات جارية- مع خطورة الفيروس كورونا الذي أقض مضجع العالم كله و جعله يرجف- بشاهين باغ وغيرھا من الأماكن المختلفة في الھند. وقد فشلت الحكومة في إحباط هذه الاحتجاجات بعد ما ذھبت لنيل بغيتھا كل مذھب، وسلكت لإسكات المظاھرين كل مسلك، وستكون خائبة، إن شآءالله تعالى.

وبعد ما فشا الفيروس كورونا اشتد البلاء والعذاب على المظاھرين، وتعرضت المظاھرات لخطر داهم، فصغت إليھا القلوب ورنت إليھا العيون وھفت إليھا النفوس، وارتفعت الأيدي لھا بالدعاء أكثر مما قبل. وفي هذه الظروف الخطيرة التي تهدد كيان المسلمين بالهند، يجب أن نرفع معنوياتنا ومعنويات الآخرين، ونحض المسلمين على المصابرة والجلاد، وننفث روح الحماسة والبسالة فيهم، ونواجه الطوارئ بكل فراسة وحزم، ونعتقد غاية الاعتقاد أن الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما ليس بغافل عما يعمل الظالمون. ستزول العقبات ، إن شآء الله، وتكون عاقبة الذين أساءوا السوأى، ولايحيق المكر السيئ إلا بأھله.

Leave a Reply

avatar
3000
  Subscribe  
Notify of