ذهبت مريم في الصباح إلى كليتها مسرورة ونشيطة و عندما وصلت إلى باب قاعة المحاضرة تهلل وجهها بشرا، وبدأت تلعب بشفتيها الابتسامة عندما رأت صديقتها نيلم جالسة على كرسي وحدها ولم يأت أحد حتى الآن سواها، فسلمت عليها مبتسمة وحينما قربت منها تقدمت بوازع من الفرح إليها لتعانقها ولكن نيلم تخلفت ودفعت مريم إلى الوراء وقالت: لا تقربي مني يا أختي ولا تمسي جسدي لأن المس لا يخلو من الخطر، فبدا أثر السخط على وجه مريم فجلست على كرسي متنحية ومبتعدة عنها. ولم يمض وقت قليل حتى دخل عفان بوجه طلق في قاعة المحاضرة وسلم على أهلها وجلس بجنب مريم، ولما رأته مريم جالسا بجنبها مدت إليه يدها للمصافحة حسب عادتها، لأنها تتعود مصافحة كل من يجلس بجانبها تعبيرا عن حبها وإبداء لعواطفها الودية، ولكن رأت عفان على نقيض ما جربته، لأن مريم عندما مدت يدها إليه للمصافحة سحب عفان يده وامتنع من المصافحة وقال لا مساس لأن المساس أصبح محظورا، فانشغل عفان بجواله، وأما مريم فسخطت عليه وغضبت كثيرا، وكانت بيضاء الوجه وحسناء القالب فاحمر وجهها من الغضب وبدا وجهها كأنها عصرت الرمان على وجهها أو غسلته بعصيره، فقامت من مكانها وابتعدت مهمهمة من عفان وذهبت لتجلس على كرسي آخر فجلست على كرسي آخر، ثم طاطأت رأسها قليلا ثم انفجرت كالبارود وقالت بصوت جهوري يبدو فيها السخط ويتجلى فيه الغضب والحزن والشكوى: "لقد تغير سلوك الناس، وأصبح المثقفون سيئ الاخلاق فضلا عن الأميين، وأصبحوا كأن جذورهم تعود إلى السامري.” فهز صوتها عفان ونيلم هزا شديدا بعد أن دوى في آذانهما ورن فيها رنين الجوال، فتركا التيه في عالم الهاتف الذكي والتسكع في بوتقته والتفتا إلى مريم قائلين: ما ذا حدث مريم؟ على من تسخطين؟ ولم تغضبين؟ ولكن مريم سكتت وأخضعت رأسها إخضاعا شديدا، ولا يزال عفان ونيلم يلحان عليها بأن تقول ما سبب الغضب؟ ولكن السكوت اسود عليها كأنها صنم لا يستطيع أن ينطق، وأثناء ذلك وصل جميع الطلاب والطلبة إلى قاعة المحاضرات دفعة واحدة قبل عدة دقائق بموعد وصول الأستاذ بعد ما احتسوا الشاي في مطعم الكلية، وحينما دخلوا وجدوا ما أقلقهم إذ رؤوا نيلم وعفان قائمين أمام مريم وأما مريم فهي صامتة فتحلق جميع الطلبة والطالبات حولها قائمين وتقدمت من بينها سمية ودنت من مريم وقالت: يا مريم لا تخافي ولا تستحي، قولي لنا ما يسبب لحزنك، فأجابت مريم باكية أنا أبغض الناس لدى نيلم وعفان، لأن نيلم امتنعت من المعانقة عند ما تقدمت للمعانقة وسحب عفان يده عندما مددت يدي إليه للمصافحة، وأنا قبل ذالك كلما أتيت عانقت نيلم وصافحت عفان، واليوم قد بدت البغضاء منهما، ولا أعلم مرجع البغضاء……….وما انتهت مريم من كلامها حتى هز عفان كرسيها بيده وجعل يقول بلهجة ممتزجة بالابتسامة والتأسف والحب والأخوة: يا مجنونة، هل تعيشين في عالم آخر، مافعلته للبغض بل فعلت كل ذالك للوقاية من فيروس كورونا حسب توجيهات أصدرتها الحكومة، ألا تعلمين أن فيروس كورونا قد وصلت إلى بلدنا؟ وقد وجد أول مصاب بفيروس كورونا في عاصمة بلدنا وهو جاء للزيارة من بلد آخر، وما أن سمعت مريم كلام عفان حتى ذهب أثر الغضب واستحيت قليلا وقالت معذرة، منذ ثلاثة أيام لا أتابع الأنباء لأني كنت مشغولة في برنامج زواج أختي، وقد شغلني هذا البرنامج المهم عن كل ما يدور في العالم، ثم أضافت قائلة بلهجة يبدو فيها التعجب والخوف: حقا وجد مصاب بفيروس كورونا في بلدنا؟؟ فجرت سمية وهي فتاة ذكية إلى الجهاز وضغطت على زره وأدارت قناة فضائية موثوق بها، فظهرت على شاشته مراسلة وهي قد حسنت وجهها بالمكياج، وهي تبدو لمكياجها أنها ما تجاوزت الخامس والعشرين من عمرها، ولكن يبدو من صوتها أنها بلغت الأربعين من عمرها على الأقل، ولعل تحسين الشخصية عند المراسلة يعد من واجبات المهنة الصحافية، فهي كانت تقرأ الأنباء المهمة التي حدثت حديثا بصوت جذاب، فهي كانت تقول "أيها المستمعون الكرام من أهم أنباء اليوم أن فيروس كورونا قد ظهر في بلدنا، وجاء رجل أجنبي إلي عاصمة البلد للزيارة وهو مصاب بكورونا، فنظرا إلى ذلك اتحذت وزارة الصحة عدة إجراءات للوقاية من تفشيها، فلا بد لكل شخص أن يجتنب من مس أي جزء من جسد الآخر لأن كورونا يتعدى بسب المس،… فكانت المراسلة تقرأ الأنباء حتى وصل الأستاذ إلى قاعة المحاضرات فقال الأستاذ عندما رأى المراسلة تتحدث عن فيروس كورونا هذا وباء نزل بهذه الأمة، فقالت سمية وهي فتاة جريئة جدا: ولكن مريم لا تعلم شئيا عن المصيبة التي حلت بنا، ثم بدأت تحكي كل مادار في القاعة وهي تواصل كلامها حتى قطع عفان كلامها وقال مبستما: ومريم تقول أيضا كأنهم أحفاد السامري، فما إن سمع الأستاذ هذه الجملة حتى اهتز لها وقال ما أروع الجملة وما أصدقها! وهذه جملة تصف الواقع،فتهلل وجه مريم عندما سمعت الأستاذ يشيد بها فحالت سمية الجرئية دون كلام الأستاذ وقالت ما هذه اللغزة يا أستادي، سبت مريم كل من امتنع من مصافحتها، وأنت تمدحها فهل تغير الزمان وانقلب الوضع رأسا على عقب؟ فأجاب الأستاد: يا ابنتي مهلا، وانتظري قليلا، أنا أحل لك ما ترينه لغزة.
بدأ الأستاد محاضرته، وتساءل الطلبة، هل قرأتم قصة موسى مع السامري؟ فيروس كرونا أكبر شبه بالسامري، لأن السامري عذبه الله لما فعلت يده من تضليل بني إسرائيل، فكان لا يمس أحدا، وإذا أراد أحد أن يمسه فيبتعد ويقول لا مساس لا مساس، وهذا ما وقع في زماننا لأن كل شخص يبتعد من الآخر ويقول لا مساس، قامت سمية من بين الطلبة والطالبات ولوحت بيده فتوقف الأستاذ وقال هاتي يا سمية ما عندك؟ فقالت: أستاذي كان السامري وحده يعاني من هذا العذاب، ولكن الآن كل شخص سواء في هذا العذاب، فكيف الشبه بالسامري؟؟؟
فأجاب الأستاذ: أحسنت وأصبت في سؤالك، أنا أوضح لك الأمر، ومن المعلوم لديكم أن السامري صنع العجل وضلل بني إسرائيل وعبد العجل الذي له خوار ودعاهم إلى عبادته، وكل ذالك بعد ما ذهب موسى إلى الطور، وعندما رجع موسى منع السامري واستتاب كل من اقترف هذه الجريمة من بني إسرائيل، فلذا أفرد الله السامري بهذا العذاب، وأما في زماننا فليس الأمر هكذا، بدأت كل دولة متقدمة تفتخر بقوتها التكنولوجية وجعلت تعبد التكنولوجية دون الله وتؤمن بقوتها دون قوة الله، وتستضعف الضعفاء من الناس، وحسب بعض البحوث صنعت الصين فيروس كورونا بيدها كسلاح بيلوجي ولكنها فشلت في إبقائها محصورة فتعدت إلى كل بلدة. وبعض البحوث تقول إن فيروس كورونا انتقلت من الخفافيش إلى الإنسان حيث أن الصينيين كانوا يأكلون الخفافيش رغم أن الله حرمها، فمهما اختلفت الأسباب في خلق فيروس كورونا في الصين ولكن لا ننكر أن الدول المتقدمة انتهجت نهج السامري حيث طغت على الفطرة وعبدت التكنولوجيا وقالت بلسان حالها: التكنولوجيا إله دون الله، والتكنولوجيا قادرة على كل شيئ دون الله، وكل شئ في متناول قبضة التكنولوجيا دون الله، فبدأت الدول المتقدمة تزعم أن التكنولوجيا إله ودعت بقية الدول إلى الإيمان به كما زعم السامري أن العجل معبود، فما قام أحد من أرجاء البلاد المعمورة لكي يسلك مسلك موسى في منعها مما يخالف فطرة الله فلذا تعدى هذا العذاب إلى كل شخص.



Leave a Reply