اللسان عضو صغير في جسد الإنسان إلا أن له دورا هاما في بناء شخصيته وتقويم أمره وتحسين مستواه، ولذلك امتن الله به على الإنسان فقال : (ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين) وقال : ( وهديناه النجدين) أي طريقي الخير والشر، بينا له الهدى من الضلال والرشد من الغي، فهذه النعم الجزيلة تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق الله وأن لايستعين بها على معصية، فإن استخدمها على معصية الله صارت نقمة عليه وتشهد عليه يوم القيامه كما قال الله تعالى: (یوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) النور:24
لكن الناس تغافلوا عن هذه التعليمات الإسلاميه وألقوها وراء ظهورهم كأنهم لايعلمون شيئا، مثلا لونظرنا في صفوف العلماء الذين هم أعلم الناس بها وجدنا أنهم لا يكاد يخلو أحد منهم إلا أن له لسانا زلقا حادا يتكلم بكلمات لا يلقي لها بالا، ويستطيل لسانه في عرض أخيه المسلم، وأحيانا يتجاوز فيه الحد، وقد يكون هو صاحب الشهادات العالية، عنده كلام رائع، وله خطب رنانة حول الموضوع، كأنه يحفظ ذلك الكلام وتلك الخطب على شفتيه فقط، وخلا قلبه عن ذلك، أو أنه يريد بذلك الرياء والسمعة والشهرة في الآفاق، حتى يقال فلان عالم جليل وداعية كبير، ولا يدري أن اللسان أضرى من الذئاب الفهود وألدغ من الحيات والعقارب، وأوقع من النبال والسهام وأمضى من السيوف والأسنة، فإن جروحه تنزف إلى أعوام بل إلى دهور وعصور لاتنقطع، ولذلك لما سأل بعض صحابة النبي صلى الله عليه وسلم "يا رسول الله أي شيء أتقي فأشار بيده إلى لسانه” صحيح الترغيب للالباني 2863، وقال حسن صحيح.
وساله صحابي آخر : "ما النجاة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك” الترمذي كتاب الزهد باب ما جاء به حفظ اللسان، 2406 وصحيح الترغيب\285.
هذه الكلمات المنبثقة عن مشكاة النبوة تحمل بين طياتها حسنات لا يعرفها إلا من عمل بها، نعم السكوت هو سر النجاح، وما رأيت أسلم شيء في حياه الإنسان من السكوت، وهو محمود في جميع الأحوال إلا في حالة واحدة وهي السكوت عن الحق، فإنه لايحمد، بل تخلفه عواقب وخيمة من انتهاك حرمات الله أو ترك فرائضه وإبطال حقوق الناس ودمائهم ومحق الحق و ترويج الباطل و كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها، كبرت جريمة اللسان وطفح الكيل فعمت المجتمع بأجمعه باثارها السيئة، فكم من بيوت منعمة تخربت بسببه، وكم من أخلاء تضعضعت أواصر العلاقة فيما بينهم، وكم من جماعات تمزق كيانهم وتشتتوا، ووقعت العداوة والبغضاء بينهم لأجله.
أيها القارئ الكريم! عليك بلسانك، فإنه أغلى شيء في تقويم شخصيتك وبه تسعد حياتك وتنجح في معاملاتك و تفوز في آخرتك، وبه تؤصل مقالتك، وتبلغ رسالتك، و تنشر دعوتك، وتصلح إخوانك وتربي أبنائك و تقوم عشيرتك، فتحتاج إلى إصلاح اللسان أكثر من احتياجك إلى الطعام والشراب واللباس، وقد تغافل الناس عنه فتركوه ضياعا، ولذا ترى كثيرا منهم يحتلون مكانة عظيمة في المجتمع ولا يبالون بأية أودية هلكوا، فترى واحدا منهم يتكلم بكلام لا يعقل معناه، ويتحدث بحديث لا يؤبه به، ولو كانت كلمة ضاربة تكسر قلوب الناس ويتأذون به أكثر من تأذية الشوكة لو أصابت واحدا منهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم والعياذ بالله، صحيح البخاري.
واشتدت جريرة اللسان وبلغ السيل الزبى، فيتجرأ على عرض الرجل الصالح الفاضل، وهكذا تلطخ اللسان بالمقالة الشنيعة التي لو مزجت بماء البحر لمزجته و أفسدته، وقد أعافه عليه السلام حين شبهه بالربا الذي أيسره مثل أن يطأ الرجل أمه، وقال:” إن اربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه” الطبراني، صحيح الترغيب والترهيب 2830 ، وقال الشيخ الالباني صحيح لغيره.
وهل هناك فعل أشنع وأخبث من الزنا بالأم؟؟ وأخبث منه استطالة المرء لسانه في عرض أخيه المسلم، وما بالك إذا كان ذلك الرجل فاضلا له خدمات وجهود في نشر الدعوة الحقة والعقيدة الصحيحة، فهيهات هيهات لكل من خاض في هذه المهالك والمخاطر وسلك تلك الطرق الوعرة ونسي عواقب سلوكه.
من أسفه الناس من يخوض فيما لايعنيه، ويقع الشر العظيم والنزاع الكبير بسببه، وقل من يسلم من ذلك، فطوبى لمن ملك لسانه وأخذ صمته وأطال سكوته وصرف لسانه عما لا يعنيه، "فإن من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه” كما جاء في الحديث الصحيح عن الترمذي وأبي داود، رزقنا الله وإياكم كلاما حسنا وصمتا طيبا.



كل زمان وانتم في أمان يا عمي الكريم!
عليكم سلام الله وحنانه…
قرأت مقالتكم هذه عن آفات اللسان وسررت بمحاسنهاوفقناالله جميعا بإلتزام استخدامه في مواضع مناسبة والصمت به فيما لا يعنيه.
والسلام..